فوزي آل سيف

115

أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله

وكان كلامه رضوان الله عليه وموقفه أشبه بالصاعق الذي فجر بارود الحماس والمواقف عند غيرها فقام المتحدثون بعده وحرضوا الناس وهكذا حتى تجهز الجيش. وجرت الرياح بما لا تشتهي سفن الصالحين، وغايرت الظروف إرادةَ أصحاب البصائر والهدى، فإذا بمعاوية بن أبي سفيان الذي كان حرباً لرسول الله صلى الله عليه وآله ودعوته يصبح هو الخاطب فوق منبره وفي مدينته! وكان من الطبيعي لمثل معاوية أن يستثمر إقبال الظروف والدنيا عليه! فلا يترك مناسبة للشماتة من أصحاب علي بن أبي طالب أو كسر شوكتهم الاجتماعي إلا واستفاد منها، بل كان يستقدم أشد أصحاب الإمام اخلاصاً له لكي يسمع منهم ما يقولون ويوبخ إن استطاع أو يقرر متى أحب! وقد جرب مع عدي بن حاتم أن يوبخه أو يتهدده.. فما لقي منه إلا مقولاً أحد من صارم! وموقفا أسخن من حرب! وذلك أن " مُعاوِيَة قال لعدي بن حاتم ودخل عليه: ما فعل الطرفات يا أبا طريف، طريف وطرفة وطراف؟ (وكان قد استشهد أولهم في حرب الجمل، والآخران في صفين) فَقالَ: قتلوا يوم صفين، قالَ معاوية: ما أنصفك عليّ، أخّر بنيه وقدّم بنيك! قال: لئن فعل لقد قُتِل وبقيتُ، (يعني أنا الذي ما أنصفت عليًّا حين قتل وبقيت بعده وكان ينبغي العكس). ثم قالَ معاوية له: قد بقيت قَطرةٌ من دم عثمان عند قوم ولا بدّ من أن نطلب بها -وهذا تهديد له بالقتل وتخويف- فقالَ عدي: اغمد سيفك، فإنّ السيفَ إذا سُلّ سُلّت السيوف، قال: فالتفت معاوية إلى عمرو فَقالَ له: ضعها فِي قرنك فإنها كلمة حكم».[338] وحين سمعه يسيء إلى أمير المؤمنين عليه السلام في ذات المجلس أو غيره، رد عليه بنحوٍ قويٍ: والله إنّ القلوب التي أبغضناك بها لفي صدورنا، وأنّ السيوف التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا، ولئن أدنيت إلينا من الغدر شبراً لندنينّ إليك من الشرّ باعا، وأنّ حزّ الحلقوم وحشرجة الحيزوم لأهون علينا من أن نسمع المساءة في عليّ.ٍ[339] ومع أنه كان في قومه في الذروة العليا من الشرف والوجاهة إلا أنه لم يكن أسير ذلك أمام السلطة الأموية التي استغلت حب بعض الرجال للرئاسة والوجاهة فكانت تنصبهم في قبائلهم بمقدار ما يبذلون لها من الولاء ويكونون أعوانا لها على مخالفيها.. لكن عدياً لم يكن كذلك، ويشهد على ذلك موقفه مع أحد أبناء قبيلته وهو عبد الله بن خليفة الطائيّ وقد شهد مع حُجر بن عدي المعارضة للأمويين، فطلبه زياد، فتوارى، فبعث إليه الشُّرَط، وهم أهل الحمراء يومئذ، فأخذوه، فخرجت أخته النوّار فقالت: يا معشر طيء، أتسلمون سنانَكم ولسانَكم عبدَ الله بن خليفة! فشدّ الطائيُّون على الشُّرَط فضربوهم وانتَزعوا منهم عبدَ الله بن خليفة، فرجعوا إلى زياد، فأخبروه، فوَثَب زياد على عديّ بن حاتم وهو في المسجد، فقال: ائتني بعبد الله بن خليفة؛ قال: وما له؟ فأخبره، قال: فهذا شيء كان في الحيّ لا علمَ لي به؛ قال: والله لتأتيَنِّي به؛ قال: لا، والله لا آتيك به أبدًا، أجيئك بابن عمّي تقتُله! والله لو كان تحت قدميّ ما رفعتُهما عنه. فأمر به إلى السجن، قال: فلم يَبق بالكوفة يمانيٌّ ولا رَبَعيٌّ إلّا أتاه وكلّمه، وقالوا: تفعل هذا بعديّ بن حاتم صاحبِ رسول الله صلى الله عليه وآله! قال: فإني أخرجه على شرط، قالوا: ما هو؟ قال: يخرج ابن عمّه عني فلا يدخل الكوفة ما دام لي بها سلطان،

--> 338 ) البلاذري: أنساب الأشراف ٥/‏١١٩ 339 ) ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون ٣/‏٥